محمد حسين هيكل

239

حياة محمد ( ص )

قريش ألدّ أعدائه وأشد محاربيه قد انتهت بالإذعان لما لم تكن نذعن له من قبل قطّ ! وقد انتشر الإسلام بالفعل بعد هذه الهدنة انتشارا أسرع أضعافا من انتشاره من قبل . كان الذين جاؤوا إلى الحديبية ألفا وأربعمائة ؛ فلما كان بعد عامين اثنين وجاء محمد لفتح مكة جاء في عشرة آلاف . وأشدّ ما اعترض عليه من ساورتهم الشكوك في حكمة عهد الحديبية ما نص عليه العهد من أن من أتى محمدا من قريش بغير إذن وليه رده عليهم ، ومن جاء قريشا من المسلمين لم ترده على محمد . وكان رأي محمد في هذا أن من ارتد عن الإسلام ولجأ إلى قريش لم يكن جديرا بأن يعود إلى جماعة المسلمين ، وأن من أسلم وحاول اللحاق بمحمد فسيجعل اللّه له مخرجا . وقد صدّقت الحادثات رأي محمد في ذلك بأسرع ما كان يظن أصحابه ، ودلت على أن الإسلام كسب من صلح الحديبية أعظم الكسب ، ومهد لما جاء بعد ذلك بشهرين اثنين من بدء محمد مخاطبة الملوك ورؤساء الدول الأجنبية يدعوهم إلى الإسلام . صدّقت الحادثات رأي محمد بأسرع مما كان يظن أصحابه . فقد وفد أبو بصير من مكة إلى المدينة مسلما ينطبق عليه العهد بردّه إلى قريش لأنه خرج بغير رأي مولاه . فكتب أزهر بن عوف والأخنس بن شريق إلى النبيّ كي يردّه ، وبعثا بكتابهما مع رجل من بني عامر ومعه مولى لهم . قال النبيّ : يا أبا بصير : إنّا قد أعطينا هؤلاء القوم ما قد علمت ، ولا يصح لنا في ديننا الغدر ، وإن اللّه جاعل لك ولمن معك من المستضعفين فرجا ومخرجا ، فانطلق إلى قومك . قال أبو بصير : يا رسول اللّه ، أتردّني إلى المشركين يفتنونني في ديني ! فكرّر عليه النبي قوله ، فانطلق مع الرجلين ، حتى إذا كان بذي الحليفة سأل أخا بني عامر أن يريه سيفه ؛ وما إن استوت قبضته في يده حتى علا به العامري فقتله ، فخرج المولى يعدو ناحية المدينة حتى أتى النبي ، فلما رآه قال : إنّ هذا رجل قد رأى فزعا . ثم قال للرجل : ويحك ! مالك ؟ قال : قتل صاحبك صاحبي . ثم ما برح حتى طلع أبو بصير متوشحا السيف موجها الحديث إلى محمد وهو يقول : يا رسول اللّه ، وفت ذمّتك وأدى اللّه عنك . أسلمتني بيد القوم وقد امتنعت بديني أن أفتن فيه أو يعبث بي . ولم يخف الرسول إعجابه وتمنّيه لو كان معه رجال . ثم خرج أبو بصير حتى نزل العيص على ساحل البحر في طريق قريش إلى الشام ، وكان عهد محمد وقريش أن تترك هذه الطريق للتجارة لا يقطعها هو ولا تقطعها قريش . فلما ذهب أبو بصير إليها وسمع المسلمون المقيمون بمكة بأمره وبما كان من إعجاب الرسول به فر منهم نحو سبعين رجلا اتخذوه لهم إماما وجعلوا وإياه يقطعون على قريش طريقها ، وكانوا لا يظفرون بأحد إلا قتلوه ، ولا تمر بهم عير إلا اقتطعوها . هنالك رأت قريش أنها أكبر خسارة على هؤلاء المسلمين أن يظلّوا بمكة . وقدّرت أن الرجل الصادق الإيمان ، محاولة حبسه شرّ من إطلاق سراحه ، فهو لا بدّ منتهز فرصة الفرار ، مقيم على الذين حاولوا حبسه حربا عوانا هم فيها الأخسرون . وكأنما ذكرت قريش محمدا حين هاجر إلى المدينة وقطع عليهم طريق القوافل ، وخشيت أن يكرر أبو بصير هذا الصنيع فبعثت إلى النبي تسأله بأرحامها إلّا آوى هؤلاء المسلمين حتى يتركوا الطريق آمنا . ونزلت قريش بذلك عما أصر عليه سهيل بن عمرو من ردّ المسلمين من قريش إلى مكة إذا ذهبوا إلى محمد بغير رأي مواليهم . وسقط بذلك الشرط الذي أحفظ عمر بن الخطاب والذي كان سببا في ثورته التي ثار على أبي بكر . وآوى محمد أصحابه وعاد طريق الشام آمنا . المهاجرات المسلمات أمّا المهاجرات من قريش إلى المدينة فكان لمحمد فيهن رأي آخر . خرجت أمّ كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط من بعد الهدنة ، فخرج أخواها عمارة والوليد يطلبان إلى رسول اللّه أن يردّها عليهما بحكم عهد الحديبية . لكن النبيّ أبى ورأى أن هذا العهد لا ينسحب على النساء حكمه ، وأن النساء إذا استجرن